صفي الرحمان مباركفوري

412

الرحيق المختوم

إذا رجع مثل ما صنعوا بعروة ، وقال : لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا ، فبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك ، فصاروا ستة فيهم عثمان بن أبي العاص الثقفي ، وكان أحدثهم سنا . فلما قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ضرب عليهم قبة في ناحية المسجد ، لكي يسمعوا القرآن ، ويروا الناس إذا صلوا ، ومكثوا يختلفون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو يدعوهم إلى الإسلام ، حتى سأل رئيسهم أن يكتب لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قضية صلح بينه وبين ثقيف . يأذن لهم فيها بالزنا وشرب الخمور وأكل الربا ، ويترك لهم طاغيتهم اللات ، وأن يعفيهم من الصلاة ، وأن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم ، فأبى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يقبل شيئا من ذلك ، فخلوا وتشاوروا ، فلم يجدوا محيصا عن الاستسلام لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فاستسلموا وأسلموا ، واشترطوا أن يتولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هدم اللات ، وأن ثقيفا لا يهدمونها بأيديهم أبدا ، فقبل ذلك ، وكتب لهم كتابا ، وأمر عليهم عثمان بن أبي العاص الثقفي ، لأنه كان أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم الدين والقرآن . وذلك أن الوفد كانوا كل يوم يغدون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ويخلفون عثمان بن أبي العاص في رحالهم ، فإذا رجعوا وقالوا بالهاجرة عمد عثمان بن أبي العاص إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فاستقرأه القرآن ، وسأله عن الدين ، وإذا وجده نائما عمد إلى أبي بكر لنفس الغرض ، ( وكان من أعظم الناس بركة لقومه في زمن الردة ، فإن ثقيفا لما عزمت على الردة قال لهم : يا معشر ثقيف كنتم آخر الناس إسلاما ، فلا تكونوا أول الناس ردة ، فامتنعوا على الردة ، وثبتوا على الإسلام ) . ورجع الوفد إلى قومه فكتمهم الحقيقة ، وخوفهم بالحرب والقتال ، وأظهر الحزن والكآبة ، وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سألهم الإسلام وترك الزنا والخمر والربا وغيرها وإلا يقاتلهم ، فأخذت ثقيفا نخوة الجاهلية ، فمكثوا يومين أو ثلاثة يريدون القتال ، ثم ألقى اللّه في قلوبهم الرعب ، وقالوا للوفد : ارجعوا إليه فأعطوه ما سأل ، وحينئذ أبدى الوفد حقيقة الأمر ، وأظهروا ما صالحوا عليه ، فأسلمت ثقيف . وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجالا لهدم اللات ، أمر عليهم خالد بن الوليد ، فقام المغيرة بن شعبة ، فأخذ الكرزين وقال لأصحابه : واللّه لأضحكنكم من ثقيف . فضرب بالكرزين ، ثم سقط يركض ، فارتج أهل الطائف ، وقالوا : أبعد اللّه المغيرة ، قتلته الربة ، فوثب المغيرة فقال : قبحكم اللّه ، إنما هي لكاع حجارة ومدر ، ثم ضرب الباب فكسره ، ثم علا أعلى سورها ، وعلا الرجال فهدموها وسووها بالأرض حتى حفروا أساسها ، وأخرجوا حليها